تعتبر مدينة القدس من أقدم المـدن التاريخية في العالم بل من أقـدم مدن الأرض
،فقد هدمت وأعيد بناؤها أكثر من 18 مرة في التاريخ, حيث يزيد عمرها عن 45
قرنا, وهي مهد الديانات السماوية الثلاثة وتميزت بكونها ظاهرة حضارية فذة
تنفرد فيها دون سواها من مدن العالم، فهي المدينة المقدسة التي يقدسها اتباع
الديانات السماوية الثلاث: المسلمون، النصارى، واليهود، فهي قبلة لهم ومصدر
روحي ورمز لطموحاتهم.
شيدت النواة الأولى للقدس على تلال الظهور (الطور أو تل أوفل), المطلة على
بلدة سلوان، إلى الجنوب الشرقي من المسجد الأقصى، لكن هذه النواة تغيرت مع
الزمن وحلت محلها نواة رئيسية تقوم على تلال أخرى مثل مرتفع بيت الزيتون (بزيتا),
في الشمال الشرقي للمدينة بين باب الساهرة وباب حطة، ومرتفع ساحة الحرم مدريا
في الشرق، ومرتفع صهيون في الجنوب الغربي، وهي المرتفعات التي تقع داخل السور
فيما يُعرف اليوم بالقدس القديمة.
وقد عرفت القدس بأسماء عديدة على مر العصور كان أهمها : يبوس, أورشليم, إيليا
كابتولينا, ايليا, بيت المقدس, القدس.
يبوس هو الاسم الأول الذي عرفت به القدس قبل حوالي 4500 سنة, وذلك نسبة
لليبوسيين الذين ينحدرون من بطون العرب الأوائل في الجزيرة العربية, ويعتبر
اليبوسيون السكان الأصليين للقدس, فهم أول من سكنها حينما نزحوا إليها مع نزح
القبائل العربية الكنعانية حوالي سنة 2500 ق.م, حيث استولوا على التلال
المشرفة على المدينة وبنوا قلعة متينة على الرابية الجنوبية الشرقية من يبوس
عرفت بحصن يبوس الذي يعرف باقدم بناء في القدس.

إلى
الأعلى..
كما عرفت القدس بأورشالم نسبة إلى
الإله (شالم) إله السلام لدى الكنعانيين, حيث ورد ذكره في الكتابات المصرية
المعروفة المعروفة بألواح العمارنة والتي يعود تاريخها إلى القرنين التاسع
والثامن عشر قبل الميلاد.
وظلت يبوس بايدي اليبوسيين والكنعانيين حتى سيطر عليها النبي داود عليه
السلام سنة 1049 ق م, فأطلق عليها اسم مدينة داود, واتخذها عاصمة له, ثم آلت
من بعده لإبنه سليمان وازدهرت في عهده ازدهارا معماريا كبيرا' وفي هذه الحقبة
سادت الديانة اليهودية في المدينة.
وفي سنة 586 ق.م, دخلت القدس تحت الحكم الفارسي عندما إحتلها نبوخذ نصر وقام
بتدميرها ونقل السكان اليهود إلى بابل.وبقيت القدس تحت الحكم الفارسي حتى
احتلها الاسكندر المقدوني في سنة 332 ق.م وقد امتازت القدس في العهد اليوناني
بالاستقرار خاصة. وبعد وفاة الاسكندر المقدوني تتابعت الأزمات والخلافات بين
البطالمة (نسبة إلى القائد بطليموس الذي أخذ مصر وأسس فيها دولة البطالمة)
والسلوقيين (نسبة إلى القائد سلوقس الذي أخذ سورية وأسس فيها دولة السلوقيين)
حيث حاولت كل منهما السيطرة على المدينة وحكمها.
وفي سنة 63 ق.م استطاع الرومان أن يحتلوا القدس على يد قائدهم بومبي. وفي سنة
135 م قام الامبراطور الروماني هادريانوس بتدمير القدس تدميرا شاملا, حيث
أقام مكانها مستعمرة رومانية جديدة اسما "ايليا كابتولينا".
وفي العصر البيزنطي (330 - 636 م), هذا العصر الذي اعترف فيه بالديانة
المسحية كديانة رسمية للامبراطورية البيزنطية, عندما اعتنقها الامبراطور
قسطنطين, حيث عرفت القدس باسم إيليا وفي هذا العهد قامت أم الامبراطور الملكة
هيلانة ببناء كنيسة القيامة 335 م.
وفي سنة 613 م استولى الفرس للمرة الثانية على القدس وقاموا بتدميرها, وظلت
تحت الحكم الفارسي حتى استردها هرقل منهم سنة 627 م, فظلت تحت الحكم البزنطي
حتى الفتح الإسلامي.
مع بداية الفتوحات الإسلامية وانتشار الدين, صار المسلمون نحو الشام, فكان
العدو الروم, و هزم العدو في معركة اليرموك وبهذا أصبحت أبواب الشام مفتوحة
أمام المسلمين, ونظرا لمكانة بيت المقدس والمدينة المباركة عند المسلمين جاء
فتح القدس صلحا على يد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في يوم الجمهة سنة 15
هـ/636 م, بعد أن عجز الجيش في فتحها رغم وجود خيرة القادة على رأسه أبوعبيدة
بن الجراح و خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة, إلا أن المدينة
بقية صامدة لكن طول مدة الحصار أدى إلى خروج أكبر بطارقة المدينة بطريق الروم
صفرونيوس إلى القائد أبوعبيدة وقال له أننا نقرأ في كتبنا أن المدية يفتحها
رجل أحمر, فجان عمر الفاروق الذي أعطى أهلها يوم الفتح الأمان من خلال وثيقة
عرفت بالعهدة العمرية.
وبقدوم المسلمين إلى القدس بدأت حقبة جديدة في تاريخ المدينة, حيث توالت
سلالات الخلافة الإسلامية على حكمها تباعا فحكمها بعد الخلفاء الراشدين :
الأمويون, العباسيون الطولونيون, الأخشيديون, الفاطميون والسلاجقة.
هذا وظلت القدس تعرف باسم إيليا وبيت المقدس منذ الفتح العمري وحتى بداية
القرن الثالث الهجري, لما زار الخليفة العباسي القدس سنة 216 هـ وقام بأعمال
ترميم قبة الصخرة المشرفة, ولتخليد هذا العمل قام بسك نقود حملت اسم القدس
بدلا من إيليا وذلك في سنة 217 هـ.
وفي سنة 492 هـ/1099م احتل الصليبيون القدس وعاثوا فيها فسادا وخرابا دونما
اكتراث لقدسيتها ومكانتها الدينية حتى جاء النصر على يد الناصر صلاح الدين
الأيوبي, حيث انهزم الصليبيون في معركة حطين سنة 583هـ/1187 م, وكان نتيجة
النصر تحرير القدس والمنطقة من الصليبين وردها إلى دار الإسلام والمسلمين.
واستمر الحكم الإسلامي للقدس على يد الأيوبيين, ثم المماليك والعثمانيين.
لكن المدينة لم تسلم من الغزو ففي التاريخ المعاصر جاءت الرياح تحمل سفن
أحفاد شارل قلب الأسد قائد جيوش الحروب الصليبية لتغزو القدس من جديد سنة
1917 م, وبهذا أصبحت القدس تحت الإنتداب البريطاني, لكن الأمر لم يتوقف هنا
لقد تمادى الغزاة بعد القتل والتنكيل والطرد لسكان المدينة المسلمين ببيع
المدينة لليهودفدخلوها عنوة حيث قامت المنظمات الصهيونية المسلحة في
28/4/1948 باحتلال الجزء الغربي من القدس، وفي عام 1967 تم احتلال الجزء
الشرقي منها، وفي 27/6/1967 أقر الكنيست الإسرائيلي ضم شطري القدس، وفي
30/7/1980 أصدر الكنيست قراراً يعتبر القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل. وقد
تعرضت القدس للعديد من الإجراءات العنصرية تراوحت بين هدم أحياء بكاملها مثل
حي المغاربة، ومصادرة الأراضي لإقامة المستعمرات، وهدم المنازل العربية أو
الإستيلاء عليها، والضغط على السكان العرب من أجل ترحيلهم إن بالإغراء المادي
أو قسراً.
وهي اليوم أسيرة أخوة القردة والخنازير من لها ؟؟؟ فتحها عمر ... حررها صلاح
الدين... ومن لها اليوم ؟؟؟
إلى
الأعلى..
قـُدْس :
الطّهر ، البركة ، الجنَّة ، بيت المقدس ، وعاصمة فلسطين . تسمّي بعض
العائلات العربية وخاصة الفلسطينية منها أبناءها بأسماء بعض القرى والمدن
الفلسطينية ، لتأكيد الانتماء إلى الجذور وكنوع من التواصل مع الأحلام
والذكريات والأمل أيضاً ، ولأنَّ القدس كانت وستبقى رمزاً للصراع العربي
الصهيوني لما لها من قدسيّة خاصة عند جميع العرب بكافة مشاربهم وانتماءاتهم،
ولأنَّها قبلة أبصار وقلوب مئات الملايين من البشر، ولأنَّها تنفرد بين مدن
العالم أجمع بورودها في القرآن والإنجيل والتوراة، واحتراماً لدماء مئات
الآلاف من الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن عروبتها عبر التاريخ، ولأنَّها حسب
قول الوالي الروماني بيلاطس بونتيوس "عندما تقع فريسة القبائل اليهودية تصبح
عشاً للدسائس والفتن، وعندما تتحرر منهم تسكنها الدعة والسلام والإيمان"،
ولأنَّه علينا أن لا ننسى"قُدْسَنا"، سنسهب بشيء من التفصيل عن تاريخها.
تأسيسها:
من الثابت تاريخياً عند المؤرخين أنَّ اليبوسيين العرب هم أول من بنى المدينة
حوالي الألف الثالث ق.م وأطلقوا عليها اسم "يبوس"، واليبوسيون بطن من بطون
العرب في الجزيرة العربية هاجروا مع غيرهم من القبائل الكنعانية واستوطنوا
ساحل البحر المتوسط خاصة ما يعرف اليوم بفلسطين، وكانت القدس التاريخية كما
كانت فلسطين كلّها هدفاً للهجرات العربية من قلب الجزيرة، ويرجع وجود الجنس
العربي فيها في رأي الباحثين الثقات إلى عشرة آلاف سنة، فجاء إليها العموريون
والكنعانيون واليبوسيون في الألف الرابع ق.م، وأهم ملوك اليبوسيين على القدس
"سالم اليبوسي" و"أدوني بازق" و "ملكي صادق"، فهذا الأخير هو أول من خطّطها
وبناها وبنى فيها مركزاً للعبادة، ولأنَّه كان محباً للسلام سمَّاها "سالم"،
وعرفت فيما بعد بالاسم الكنعاني"أور سالم" أي مدينة السلام ، كما ورد ذكرها
في الكتابة الهيروغليفية المصرية والبابلية باسم"يروسليمو"، وحتى اليهود
الذين يزعمون أنَّ فلسطين لهم تاريخياً يؤكدون في سفر يوشع ما يدحض هذه
المزاعم :"أما اليبوسيون الساكنون في أورشليم فلم يقدر بنو يهوذا على طردهم
فسكن اليبوسيون مع بني يهوذا في أورشليم حتى اليوم"، " واليوم تعني يوم كتابة
التوراة أي بعد موت النبي موسى ويوشع بأجيال ". الغزوات القديمة: والمعروف
أنَّ القدس تعتبر من أكثر مدن العالم التي تعاقب عليها الغزاة ، فقد غزاها
الفلسطينيون من جزر اليونان وبخاصة من"كريت" وحلُّوا في ساحل فلسطين حوالي
1200 ق.م، ومع أنَّ حكمهم كان خاضعاً لنفوذ مصر، فإنَّهم اندمجوا مع السكان
الكنعانيين وتكلموا لغتهم واعتنقوا ديانتهم وشاركوا في صدِّ غزوات العبريين
وذابوا مع الزمن فيهم بعد أن طبعوا اسمهم على فلسطين كلّها. دخل العبريون أرض
كنعان وفلسطين في القرن 13ق.م بعد خروجهم من مصر ، في الوقت الذي كانت فيه
مدينة القدس عامرة بالحضارة اليبوسية الكنعانية قبل قدومهم بآلاف السنين،
وتتفق معظم المراجع بأنَّ النبي داود"عليه السلام" احتلَّ "أور سالم" سنة
1000 ق.م من اليبوسيين الكنعانيين وسمَّاها"مدينة داوود"، بعد مقاومة عنيدة
من أهلها وبعد أن حاصرها طويلاً استطاع أن يدخلها من خلال نفق كان ينقل
المياه إليها من عين جيحون من خارج السور إلى بركة سلوان داخله، ولم يؤثر فتح
القدس رغم أهميته على تصميم الكنعانيين البقاء في البلاد من "دان" في الشمال
إلى "جرون" الخليل في الجنوب، أما بئر السبع وسائر مناطق النقب فلم يسكنها
اليهود عبر التاريخ، وسكن بنو إسرائيل وسط الكنعانيين والحثيين والعموريين
واليبوسيين وليس العكس ومع الوقت نسي اليهود إلههم وعبدوا "البعليم" إله
الكنعانيين. وعرفت هذه الحقبة ملكين كبيرين فقط هما النبي داود وابنه سليمان
"عليه السلام" الذي بنى هيكله على إحدى تلال المدينة على طريقة الكنعانيين في
بناء معابدهم، وكان سليمان خاضعاً لنفوذ المصريين والفينيقيين وانتهى حكمه
عام920 ق.م ، وبوفاته تمزّق ملك بني إسرائيل وانتهى شكل المملكة الموحدة التي
لم تدم أكثر من 70 سنة وانقسمت إلى مملكتين منفصلتين تتناصبان العداء .وتؤكد
الوقائع التاريخية المستندة إلى التوراة وإلى الحفريات الأثرية والمصادر
الوثيقة، أنَّ الشعوب والقبائل العربية لم ينقطع وجودها في أرض فلسطين التي
كانت من أقدم العصور جزءاً من بلاد العرب، ولم يكن اليهود جزءاً من الشعوب
العربية، ولم يكن قدومهم إلى فلسطين إلاَّ متأخراً ولم يستطيعوا في أوج حكمهم
أن يقيموا مُوَحَدين في القدس أكثر من 70 سنة ثمَّ تجزأت مملكتهم وتوزعوا في
فلسطين والعراق ومصر، في حين ظلَّ سواد الشعب والحكام في القدس وما حولها
كنعانياً عربياً. في عام 922 ق.م غزا المدينة شيشق من مصر ونهبها ،وفي سنة
850 ق.م هاجمتها القبائل العربية من الجزيرة العربية، ثم جاء بعدهم جوش
الإسرائيلي عام 786 ق.م ، والآشوريون هاجموها سنة 701 ق.م وفرضوا الجزية
عليها ، ولما انتصر الكلدانيون على الآشوريين هاجموا فلسطين واحتلوا القدس
598 ق.م وسبوا اليهود إلى بابل"السبي الأول"، وفي 587 ق.م حدث السبي الثاني
لمن تبقى من اليهود في فلسطين، ومنذ ذلك الحين تحولت العودة إلى فلسطين حالة
ذهنية وهاجساً له تأثير كبير على وجودهم كفئة بشرية. وعندما سيطر كورش ملك
الفرس على بابل 537 ق.م عاد اليهود إلى فلسطين وأعادوا بناء هيكل سليمان ،
وبقي اليهود متحالفين مع الفرس طوال فترة احتلال الفرس لأرض كنعان وسورية
وفلسطين وبلاد ما بين النهرين ، حتى جاء الإسكندر عام 330 ق.م واحتل مدينة
القدس، وقام اليهود سنة 168 ق.م بالثورة المكابية على اليونان والعموريين
الذين كانوا قد استعادوا الحكم زمناً على القدس، وأسس اليهود مملكة بحجم
مملكة سليمان تقريباً استمرت حتى استولى عليها الرومان عام 63 ق.م بقيادة
الإمبراطور بومبي، وفي عهد هيرود أنتبباس نشأ السيِّد المسيح"عليه السلام"
واعتنق الكثير من العرب الدين المسيحي، وبعهد بيلاطُس 26-36م وقعت حادثة
الصَّلب التي يؤمن بها المسيحيون.
إلى
الأعلى..
إيلياء
كابيتولينا:
في العام 64م. ثار اليهود على الرومان، وبعد 6 سنوات حاصر تيتوس المدينة بجيش
قوامه 60 ألف جندي، ثمَّ هاجمها وأحرق الهيكل ودمّر المدينة تدميراً كاملاً
ونهائياً وأباد معظم اليهود، ومن بقي منهم تشتّت باتجاه الجزيرة العربية
وبابل وقسم منهم وصل إلى أوروبا الشرقية وروسيا ، فنشروا الديانة اليهودية
بين قبائل الخزر الوثنية وأسسوا مملكة فيها عرفت بمملكة الخزر شمالي بحر
قزوين استمرت من القرن الثاني حتى العاشر حتى قضى عليهم السلاف. وبالعودة إلى
أورشليم التي أزالها تيتوس عن الوجود، جاء بعده القائد هادريان فبنى على
أنقاضها مستعمرة لجنوده سمَّاها " إيلياء كابيتولينا "، أي "إيلياء الكبرى"
وإيلياء من "إيليوس" لقب عائلة هادريان وكابيتولين "جوبيتر" هو كبير آلـهة
الرومان ، إذاً لم يعد للمدينة وجود حتى الاسم وغيّر العمران الجديد واتجاه
الشارع الرئيسي فيها "لا يزال شارع هادريان هو الرئيسي فيها حتى الآن "، وبنى
معبداً للإلهة فينوس والإله جوبيتر وأخرج اليهود والنصارى من إيلياء، كما ترك
منطقة الهيكل خارج البلدة الجديدة .
بداية العهد
المسيحي:
شكّلت أورشليم محور حركة السيِّد المسيح"عليه السلام" ، ففيها يقع الهيكل
ومنها يجب الانطلاق لتحرير الإنسان وفق الرسالة التي جاء بها ، فأوَّل من
اعترضه أصحاب الهيكل من الكهنة اليهود ، ولكن قبل (حادثة الصَّلب) بلحظات كان
قد بشَّرهم بأنَّ أورشليم ستدمَّر عن بكرة أبيها بعد 40 سنة، وهذا ما حدث
بالفعل على يد تيتوس. عام 313م سُمح لمن يشاء من رعايا الدولة الرومانية
باعتناق المسيحية فبدأ الحجاج يتقاطرون إلى إيلياء، وفي سنة 325م أيَّد مجلس
نيقيا في عهد قسطنطين تقديس المكان الذي جرت فيه (حادثة الصَّلب والضريح
المقدَّس )، وزارت الملكة هيلانة والدة قسطنطين المدينة في السنة التالية ،
فشيّدت كنيسة القيامة فوق جبل الزيتون وفي بيت لحم، وفي سنة 335م عُقِد مجلس
كنسي في إيلياء أُعلنت فيه قدسيَّة كنيسة القيامة أو الضريح المقدَّس. أخذت
المدينة بالازدهار في عهد الإمبراطورية الرومانية الشرقية بعد انقسام
الإمبراطورية الأم ، وأصبحت إيلياء تتبع للإمبراطور البيزنطي المقيم في
القسطنطينية" استانبول" ، وانتهت فترة الازدهار عندما غزاها الفرس سنة 614 م.
فأحرقوا كنائسها ونهبوها وقتلوا أهلها وأخذوا معهم الصليب المقدَّس، إلاَّ
أنَّ هرقل ملك الروم استطاع سنة630م. الانتصار على الفرس واستعادة الصليب
المقدَّس.
إلى
الأعلى..
بداية
العهد الإسلامي:
بدأت علاقة الإسلام بالقدس حينما أسري برسول الله"صلى الله عليه و سلم" من
مكَّة المكرمة إليها، ومنها عرج إلى السماوات العلى "سبحان الذي أسرى بعبده
ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا
إنَّه هو السَّميع البصير" الإسراء1 ، فأصبح الإيمان بالإسراء جزءاً من عقيدة
المسلمين، وعندما فرضت الصلاة على المسلمين كانت القدس قبلتهم الأولى، وبعدما
هاجر الرسول"صلى الله عليه و سلم" إلى المدينة المنورة أُمر بالتوجه في
الصلاة إلى الكعبة "بعد ستة عشر شهراً من الهجرة". حدث الفتح الإسلامي في عهد
الخليفة عمر بن الخطاب"رضي الله عنه" سنة 15 للهجرة "638م"، وكان سكانها
الأصليون عرباً مسيحيين ووثنيين من الآراميين والعموريين والكنعانيين
واليبوسيين، وكان لا يزال اسمها إيلياء إذ ورد في العهدة العمرية التي
قدَّمها الخليفة لأهلها كما ورد هذا الاسم بشعر الفرزدق حينما قال : وبيتان !
بيت الله نحن ولاته وبيت بأعلى إيلياء مشرّف وغيّر المسلمون العرب اسم
المدينة من إيلياء إلى بيت المقدس وهو المشهور أو القدس أو دار السلام أو
مدينة السلام، وامتاز المسلمون عن غيرهم من الفاتحين بأنَّهم لم يأخذوا
المدينة عنوة أو بالحرب بل صلحاً ، وحضر الخليفة بنفسه لتسلمها إكراماً
لأهلها وتأكيداً على المكانة الساميَّة التي تحتلها في الإسلام، وأمَّن
الخليفة أهلها على أنفسهم ومالهم وكنائسهم ولم يهدم منزلاً أو مكان عبادة،
إضافة إلى ذلك فقد أعطى أهل المدينة عهداً خطياً بذلك سمِّي"العُهدَة
العُمَرية" ، التي تعتبر وثيقة مهمَّة أسست لبناء قواعد قانونية دولية
لاحقاً، وارتفع شأن بيت المقدس في العهد الأموي لقربها من مقر الخلافة، وظهرت
في الحكم العباسي مرحلة حكم الأقاليم المستقلة، فحكمها الطولونيون ثم
الفاطميون والسلجوقيون ثم الفاطميون.
مرحلة الاحتلال الصليبي:
استولى عليها الصليبيون في 15 تموز 1099م. فأعملوا السَّيف في سكانها
وارتكبوا مجزرة رهيبة ذهب ضحيتها عدد كبير من أهلها ، وبقيت القدس عاصمة
مملكة القدس الصليبية حتى سنة 1187 م.، عندما استطاع صلاح الدين الأيوبي
إلحاق الهزيمة بالصليبيين في معركة حطين الشهيرة واسترداد بيت المقدس منهم .
بعد معركة حطين هاجرت آلاف القبائل العربية إلى فلسطين لتقيم فيها ولتسدَّ
النقص الكبير الذي حلَّ بسكانها العرب نتيجة الحروب الصليبية، والمتتبع
لأنساب العائلات الفلسطينية وخاصة المقدسية يدرك أنَّها تعود في أصلها إلى
مختلف الأقطار العربية في الشرق والغرب، ولا غرو فقد كانت أمنية كلّ عربي أن
يعيش في بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ولأنَّ الله عزّ
وجلّ خصّها بالعديد من الأنبياء ابتداءاً من أبيهم إبراهيم"عليه السلام" إلى
عيسى ابن مريم"عليه السلام"، ويقول ابن عباس:"بيت المقدس بنته الأنبياء
وسكنته الأنبياء، ما فيه موضع شبر إلاَّ وقد صلّى فيه نبيّ"، ولأنَّ الله
تعالى خصَّها بإسراء الرسول"عليه الصلاة و السلام"، كما أنَّ المسلمين
اعتبروا مدينة القدس البوابة التي يمكن أن ينفذ منها الأعداء إلى الكعبة
المشرفة. التاريخ الحديث: في سنة 1260م. تحولت السلطة في سورية وفلسطين إلى
أيدي المماليك ، وفي سنة 1516 سقطت تحت الحكم العثماني حتى بدايات القرن
العشرين ، ثمَّ خضعت للاستعمار البريطاني الذي أمَّن لليهود بناء دولة
"إسرائيل" 1948، التي بدأت العمليات المنظمة في الافتراء والتجني على التاريخ
والحضارة لتغيير معالم المدينة العربية المقدسة لتهويدها وتحويلها إلى متحف
يزوره السياح، ويكفي أن نشير إلى ما حدث لمقبرة "مأمن الله" التاريخية التي
تعتبر من أعظم وأقدس المقابر عند المسلمين، لأنَّها تعدُّ تاريخاً ساطعاً
لأمجاد العرب وتضحياتهم من أجل القدس، وتضمُّ رفات سبعين ألفاً من شهدائهم
وقادتهم أو لعظمائهم الذين أوصَوْا أن يدفنوا في ثراها الطاهر، فقد ارتكبت
سلطات الاحتلال الصهيوني أعظم جريمة بحق الإنسانية والتاريخ حينما قامت
جرافاتها بنسف هذه المقبرة المقدسة وجعلت مكانها متنزهاً وحانات ومقاهي. في
التسمية والقدسيّة:
إضافة إلى ما ذكر في البداية عن تأسيسها وتسميتها وقدسيتها، يدّعي اليهود
أنَّ اسمها "يرأة شالم" وأنَّ سام بن نوح"عليه السلام" سمَّاها "شلم" أي
السلام، والنبي إبراهيم"عليه السلام" سمَّاها "يرأة" بمعنى الخوف، فقرر الله
كما يدّعون أن يسميها بالاسمين معاً أي "يرأة شلم" أو أور شليم، لكن ما هو
ثابت أنَّ أسماء القدس كلّها عربية الأصول يبوسية أو كنعانية إلاَّ عندما
سمَّاها كلّ من النبي داود"عليه السلام" وهادريان باسميهما اللذين ذهبا مع
الأيام، حتى الاسم أور شليم اسم كنعاني وكذلك الاسم "يبروشلايم" تعبير آرامي
عربي، وبعد الفتح الإسلامي حاول اليهود استغلال تسامح المسلمين وأرادوا تحريف
اسم المدينة الكنعاني القديم فأطلقوا عليها اسم "يروشالايم" بدلاً من يورو
شالم" لكي تصبح عبرانية المنطق، لكن لم تنجح محاولاتهم وغلبت على المدينة
التسمية الإسلامية "بيت المقدس". أمّا قدسيّة المدينة فهي عربية الأساس، فقد
دشّـَن اليبوسيون العرب هذه القدسيّة قبل مرور النبي إبراهيم "عليه السلام"
بالقدس بأكثر من ألف سنة، وهي عربية قبل أن يحتلّها النبي داود"عليه السلام"
بأكثر من ألفي سنة.
إلى
الأعلى..
خاتمة:
المتتبع للحروب الصليبية يُدرك أهمية بيت المقدس للعرب وللمسلمين، فقد شاركوا
من جميع أقطار الأرض في تحرير فلسطين وبيت المقدس من الصليبيين، واستشهد منهم
عشرات الآلاف على ثرى أرضها الطاهرة، ولم تخلُ عائلة واحدة في كلِّ أنحاء
الوطن العربي والإسلامي آنذاك من شهيد أو أكثر، ولا يُستبعد أبداً أن يُعيد
التاريخ نفسه وأن تتحمّل كلّ عائلة في هذه الأمة مسؤولية المشاركة في استعادة
بيت المقدس من براثن الرجس الصهيوني.
مع الشكر الـجزيل للسيد: عصام شعشاعة ،فيض هائل من المعلومات القـيمة حول أم
قضايانا " القضية الفلسطينيـة " على العنوانين التاليين :
http://www.palestinehistory.com/arabic/index.html#arindex
http://www.palestine-info.info/arabic/index.shtml